ما أعجب بأسك من عفو الله !



قال يوسف الكوفي حججت ذات سنة ، فإذا أنا برجل عند البيت وهو يقول : اللهم اغفر لي وما أراك تفعل ! 
فقلت : يا هذا ، ما أعجب يأسك من عفو الله ! 
قال : إن لي ذنباً عظيماً ! فقلت : أخبرني .
قال : كنت مع
 يحيى بن محمد بالموصل ، فأمرنا يومَ جمعة ، فاعترضنا المسجد ، فقتلنا ثلاثين ألفاً ، ثم نادى مناديه : من علق سوطه على دار فالدار وما فيها له ، فعلقت سوطي على دار ودخلتها ، فإذا فيها رجل وامرأة وابنان لهما ، فقدمت الرجل فقتلته ، ثم قلت للمرأة : هاتي ما عندك ! ولا ألحقت ابنيك به ، فجاءتني بسبعة دنانير .
فقلت : هاتي ما عندك ؟ فقالت : ما عندي غيرها ، فقدّمت أحد ابنيها فقتلته .
ثم قلت : هاتي ما عندك و إلا ألحقت الآخر به ، فلما رأت الجد مني .
قالت : أرفق ! فإن عندي شيئاً كان أودعنيه أبوهما ، فجاءتني بدرع مذهبة لم أر مثلها في حسنها ، فجعلت أقلبها فإذا عليها مكتوب بالذهب :


إذا جار الأمير وحاجباه *** وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويـــل ثم ويـــل *** لقاضي الأرض من قاضي السماء 


فسقط السيف من يدي وارتعدت ، وخرجت من وجهي إلى حيث ترى ..

الحافظ ابن حجر (صاحب كتاب فتح البارى )


هو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر. الكناني القبيلة، وهي قبيلة عربية. العسقلاني الأصل، نسبة إلى عسقلان، وهي مدينة تقع بساحل الشام في فلسطين. المصري المولد، والمنشأ، والدار، والوفاة. الشافعي مذهبا. قاضي القضاة، شيخ الإسلام، أمير المؤمنين في الحديث. كان يلقب بشهاب الدين، و يكنى: أبا الفضل. وقد اشتهر بـ ابن حجر. قال الإمام السخاوي: اختلف هل هو اسم أو لقب؟ فقيل: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه. وقيل: بل هو اسم لوالد أحمد المشار إليه.

ولادته:ولد الحافظ بن حجر في أسرة عريقة في العلم والمكارم ـ في الثاني والعشرين من شعبان سنة 773 هـ.

صفاته: كان رحمه الله ربعة، للقصر أقرب، أبيض اللون، منّور الصورة، مليح الشكل، صبيح الوجه، كث اللحية أبيضها، قصير الشارب، نحيف الجسم، فصيح اللسان، شجي الصوت. وكان كثير الصمت، شديد الحياء.

نشأته و طلبه للعلم:نشأ الحافظ بن حجر يتيما، فقد توفي والده وعمره أربع سنوات، وتوفيت أمه قبل ذلك وهو طفل. وكان أبوه أوصى قبل وفاته بولده كبيرَ التجار أبا بكر محمد بن علي بن أحمد الخروبي، فقام يأمره أحسن قيام. وكان لوصيّه الخروبي فضل كبير في إقبال الحافظ بن حجر على الاشتغال بالعلم.
ولما أكمل اثنتي عشرة سنة، حج وصيّه في سنة أربع وثمانين، واستصحب ابن حجر معه، فحجا، وجاورا، وصلّى في سنة خمس وثمانين وسبعمائة بالناس التراويح بمكة، بالمسجد الحرام.
وسمع بمكة من الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد بن محمد النشاوري، ثم المكي، غالب صحيح البخاري، وهو أول شيخ سمع عليه الحديث.
وكذلك أخذ فقه الحديث عن الشيخ جمال الدين أبي حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة المكي، في كتاب عمدة الأحكام، للحافظ عبد الغني المقدسي. فكان أول شيخ بحث عليه في فقه الحديث.
ثم عاد في صحبة وصية الزكي الخروبي إلى مصر، ووصلها سنة 786هـ. وأقبل على الاشتغال، فجد واجتهد، فحفظ كتبا من مختصرات العلوم، مثل عمدة الأحكام، وملحة الإعراب، وألفية الحديث للعراقي وغيرها. وكان رحمه الله سريع الحفظ.
وقرأ القرآن تجويدا على الشهاب أحمد بن محمد بن الفقيه على الخيوطي، ثم على الصدر سليمان بن عبد الناصر الإبشيطي شيئا من العلم.
ثم  توفي وصيه الخروبي سنة 787هـ، وكانت وفاته سببا في فتور عزمه عن طلب العلم، ولم يشتغل إلا بعد استكمال سبع عشرة سنة.
وقد حببّ الله عز وجل إليه فن الحديث، فأقبل عليه بكليته، وأول ما طلب بنفسه في سنة 793هـ، لكنه لم يكثر من الطلب إلا في سنة 796هـ. فأخذ عن مشايخ ذلك العصر، واجتمع بالحافظ العراقي فلازمه عشرة أعوام، وتخرّج به، فانتفع بملازمته، وقرأ عليه من الكتب والأجزاء الشيء الكثير. وأذن له في التدريس في علوم الحديث سنة 797هـ، وكان العراقي يعظّمه جدا. ثم قرأ وسمع من مسندي القاهرة ومصر الشيء الكثير.

رحلاته:لقد استفاد الحافظ بن حجر من رحلاته الاستفادة الجمة، حيث حصّل السماع من شيوخ كبار، وسمع العوالي. ولقد رحل داخل مصر إلى قوص والصعيد والإسكندرية والقاهرة والجيزة وغيرها.
ثم رحل إلى اليمن مرتين الأولى سنة 799هـ، والثانية سنة 806هـ، فحصّل فيها العلم الغزير. ورحل إلى الحجاز غير مدة للحج والمجاورة والعلم. ورحل أيضا إلى الديار الشامية.

شيوخه ومن أخذ عنهم العلم:لقد استفاد الحافظ بن حجر من الشيوخ واجتمع له منهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره. فشيوخه كثيرون جدا، وقد جمعهم في كتاب جليل القدر أسماه: " المَجْمَع المؤسَّس للمُعْجَم المفهرَس" ورتبهم على حروف الهجاء. ويبلغ عددهم تقريبا 628 شيخا.
فممن أخذ عنهم القراءات: الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أحمد التنوخي البعلي. وصدر الدين محمد بن عبد الرزاق السفطي المقرئ. والشهاب أحمد بن محمد الخيوطي.
وممن أخذ عنهم الفقه وأصوله: الإمام البلقيني. والعلامة سراج الدين بن الملقن. والعالم برهان الدين الأبناسي. والشيخ محمد بن علي بن القطان. والشيخ ابن جماعة.
وممن أخذ عنهم اللغة والأدب: إمام عصره في اللغة محمد بن يعقوب الشيرازي، الفيروزآبادي. والشيخ محمد بن إبراهيم البشتكي. وابن هشام الإمام الشهير.
وممن أخذ عنهم الحديث: الحافظ العراقي: والحافظ علي الهيثمي. والحافظ جمال الدين ظهيرة. والشيخة فاطمة بنت المنجا التنوخية. وغيرهم.

مهامه: ولي الحافظ بن حجر مناصب عديدة، وشغل وظائف كثيرة:
منها الإملاء: فقد شرع الحافظ بن حجر في عقد مجالس الإملاء ابتداء بسنة 808هـ.
ومنها التدريس: وقد أذن له بالتدريس كبار شيوخه. فدّرس التفسير والحديث والفقه في مدارس عديدة.
ومنها الإفتاء: فقد ولي إفتاء " دار العدل" واحدا وأربعين عاما، وذلك من سنة 811هـ، واستمرت معه حتى وفاته رحمه الله تعالى.
ومنها القضاء.
ومنها الخطابة والإمامة والوعظ: فقد تولى وظيفة الخطابة بالجامع الأزهر وغيره من مساجد مصر.

تلاميذه ومن أخذ عنه العلم:ومن أهم تلاميذه الذين أخذوا عن الحافظ بن حجر العلم والحديث:
الحافظ شمس الدين، السخاوي. والحافظ برهان البقاعي. والحافظ زكريا الأنصاري، شيخ الإسلام. والحافظ محمد بن محمد بن الخيضري. والحافظ كمال الدينابن الهمام. والحافظ قاسم بن قطلوبغا. والحافظ ابن الشحنة. وغيرهم الكثير.

مصنفاته: ابتدأ الحافظ بن حجر بالتصنيف في حدود سنة 796هـ. وبسبب هذه البداية المبكرة في التصنيف، وما رزقه الله من سعة الإطلاع، ودقة الفهم، والذكاء المفرط، كان للحافظ بن حجر المؤلفات البديعة، والمصنفات الكثيرة الماتعة.
ولقد أوصل الحافظ السخاوي عدد مصنفات الحافظ إلى 27 مصنفا. وعدّ منها الحافظ السيوطي في نظم العقيان 198 مصنفا.

ومن أهم مصنفاته:فتح الباري شرح صحيح البخاري.  وتهذيب التهذيب. وتقريب التهذيب. ولسان الميزان. والإصابة في تمييز الصحابة، وإتحاف المهرة بأطراف العشرة. والنكت على مقدمة بن الصلاح. وأطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي. وأمالي الأذكار المسمى: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار. والأمالي الحلبية. وانتقاض الاعتراض. وتخريج أحاديث مختصر بن الحاجب. وتغليق التعليق. تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. العجاب في بيان الأسباب ـ وهو كتابنا الذي نقدمه ـ. القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد. الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية. نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. شرح نخبة الفكر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر. النكت الظراف على الأطراف. تبصير المنتبه بتحرير المشتبه. نزهة الألباب في الألقاب. تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة. إنباء الغمر بأنباء العمر. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. رفع الأصر عن قضاة مصر. بلوغ المرام من أدلة الأحكام. غيرها الكثير.

مكانته وثناء الأئمة عليه: أثنى على الحافظ بن حجر أشياخه، ومعاصروه من أقرانه، وتلامذته، والأئمة الكبار من بعده. ومن ذلك:
ما قاله الحافظ السخاوي: فأما ثناء الأئمة عليه فاعلم أن حصر ذلك لا يستطاع وهو في مجموعه كلمة إجماع. انتهى.
وقال الإمام العراقي عنه: "الشيخ العالم الكامل الفاضل المحدّث المفيد المجيد، الحافظ المتقن، الضابط الثقة المأمون، شهاب الدين أحمد أبو الفضل بن الشيخ الإمام العالم الأوحد المرحوم نور الدين".
وقال عنه برهان الدين الأبناسي: الشيخ الإمام العلامة، المحدث المتقن المحقق الشيخ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن الشيخ الإمام العالم صدر المدرسين، مفتي المسلمين أبي الحسن علي الشهير بابن حجر.
وقال أبو زرعة: الشيخ الإمام، والسيد الهمام، ذي الأوصاف الحميدة، والمناقب العديدة، جمال المحدثين، مفيد الطالبين، شهاب الدين أبي الفضل.
وقال ابن قاضي شهبة: بقية العلماء الأعلام، قاضي القضاة،  وصاحب المصنفات التي سارت بها الركبان. وقال: وبالجملة فهو إمام زمانه، وحافظ وقته أوانه، وعنده من الذكاء والفطنة وصفاء القريحة ما تحيّر فيه الأمصار.
وقال البقاعي: شيخ الإسلام، وطراز الأنام، عَلَم الأئمة الأعلام، حافظ العصر، وأستاذ الدهر، سلطان العلماء، ملك الفقهاء...
ويقول الحافظ السيوطي: شيخ الإسلام وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقا.

وفاته وما قيل في رثائه: توفي رحمه الله تعالى ليلة السبت المسفرة عن الثامن و العشرين من ذي الحجة، بعد العشاء بنحو ساعتين. وحزن الناس لموته، وقفلت الأسواق، وغلقت الحوانيت، وشوهدت له جنازة عظيمة، لم يكن بعد جنازة ابن تيمية أحفل منها. فاجتمع في جنازته من الخلق ما لا يحصيهم إلا الله  عز وجل، وشيّعته القاهرة كلها في موكب مهيب. وصلّى عليه العَلَم البلقيني بإذن الخليفة بمصلّى المؤمنين بالرميلة خارج القاهرة، ونقل نعشه إلى القرافة الصغرى حيث دفن بتربة بني الخرّوبي المقابلة لجامع الديلمي، ونقل نعشه إلى القرافة الصغرى حيث دفن بتربة بني الخرّوبي المقابلة لجامع الديلمي، بين تربة الإمام الشافعي والشيخ مسلم السلمي.

الامام مسلم (صاحب كتاب صحيح مسلم )


هو الإمام الكبير الحافظ الحجة الثقة أبو الحسين، مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد كوشاذ، القشيري النسب، النيسابوري الدار.
والقشيري نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قبيلة كبيرة من هوازن من العدنانية كما قال القلقشندي. ونيسابور مدينة من خراسان.

مولده :

ولد الإمام مسلم في نيسابور سنة 204 هــــ على الأرجح.

شيوخه:


تتلمذ الإمام مسلم – رحمه الله – على أيدي كثير من العلماء والحفاظ والأئمة، وقد سرد الإمام المزي أسماء شيوخه في " تهذيب الكمال " ولكن أبرز شيوخ الإمام مسلم هو الإمام البخاري رحمه الله.
وقد لازم الإمام مسلم شيخه البخاري لما قدم البخاري نيسابور، وكان مسلم – رحمه الله – يقفو طريق البخاري وينظر في علمه ويحذو حذوه، حتى قال الدارقطني: لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء.
وقال أحمد بن حمدون القصار: رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، ويا سيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فذكر له علته فلما فرغ قال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك.
وكان مسلم – رحمه الله- ينافح ويناضل عن شيخه البخاري – رحمه الله – وكان يقدمه على جميع شيوخه.


تلاميذه:


تتلمذ على يد الإمام مسلم – رحمه الله – عدد كبير من العلماء والأئمة والحفاظ، ومن أبرز تلاميذه: الإمام الترمذي صاحب السنن، وقد روى عن شيخه حديثا واحدا في سننه.
مكانته وثناء العلماء عليه:
أجمع العلماء على جلالته وإمامته وثقته وعلو مرتبته وحذقه في الصناعة الحديثية.
قال أبو قريش الحافظ: سمعت محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بنيسابور، وعبدالله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
وقال أحمد بن مسلمة: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يقدمان مسلماً في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.


مصنفاته:


للإمام مسلم – رحمه الله – مصنفات أخرى عديدة، غير " الجامع الصحيح " وهي:
كتاب الكنى والأسماء . كتاب المنفردات والوحدان. وكتاب الطبقات. وكتاب رجال عراوة بن الزبير. وكتاب التمييز وكتاب المسند الكبير على الرجال. وكتاب الجامع على الأبواب. وكتاب الأسامي والكنى. وكتاب العلل. وكتاب الأقران. وسؤالاته أحمد بن حنبل. وكتاب عمرو ابن شعيب. وكتاب الانتفاع بأهب السباع. وكتاب مشايخ مالك. وكتاب مشايخ الثوري. وكتاب مشايخ شعبة. وكتاب من ليس له إلا راوٍ واحد. وكتاب أولاد الصحابة. وكتاب المخضرمين. وكتاب أفراد الشاميين.


وفاته:


توفى – رحمه الله – عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور. وكان عمره سبعاً وخمسين سنة. 
.

الامام البخارى


هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه، أبو عبد الله البخاري الحافظ إمام أهل الحديث في زمانه. وُلِد البخاري (رحمه الله) في شوال سنةَ أربع وتسعين ومائة، ومات أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر أمه، فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة، حتى قيل إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردًا.

شيوخ الإمام البخاري

سمع بمسقط رأسه بخارى من الجعفي المسندي، ومحمد بن سلام البيكندي، وجماعة ليسوا من كبار شيوخه، ثم رحل إلى بلخ، وسمع هناك من مكي بن إبراهيم وهو من كبار شيوخه، وسمع بمرو من عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسن بن شقيق، وصدقة بن الفضل. وسمع بنيسابور من يحيى بن يحيى، وجماعة من العلماء، وبالري من إبراهيم بن موسى.
ثم رحل إلى مكة وسمع هناك من أبي عبد الرحمن المقرئ، وخلاد بن يحيى، وحسان بن حسان البصري، وأبي الوليد أحمد بن محمد الأزرقي، والحميدي. وسمع بالمدينة من عبد العزيز الأويسي، وأيوب بن سليمان بن بلال، وإسماعيل بن أبي أويس.
وأكمل رحلته في العالم الإسلامي آنذاك، فذهب إلى مصر ثم ذهب إلى الشام وسمع من أبي اليمان، وآدم بن أبي إياس، وعلي بن عياش، وبشر بن شعيب، وقد سمع من أبي المغيرة عبد القدوس، وأحمد بن خالد الوهبي، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي مسهر، وآخرين.

تلامذة الإمام البخاري

روى عنه خلائق وأمم، وقد روى الخطيب البغدادي عن الفِرَبْرِيِّ أنه قال: "سمع الصحيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفًا، لم يبقَ منهم أحد غيري". وقد روى عنه حماد بن شاكر، وإبراهيم بن معقل، وطاهر بن مخلد، وآخر من حدَّث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البردي النسفي، وقد تُوفِّي النسفي هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ووثَّقه الأمير أبو نصر بن ماكولا. وممن روى عن البخاريِّ مسلمٌ في غير الصحيح، وكان مسلم تتلمذ له ويعظمه، وروى عنه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه في قول بعضهم، وقد دخل بغداد ثماني مرات، وفي كلٍّ منها يجتمع بالإمام أحمد، فيحثه أحمد على المقام ببغداد، ويلومه على الإقامة بخراسان.

ملامح شخصية الإمام البخاري

تميَّز الإمام البخاري بصفات عذبة وشمائل كريمة، لا تتوافر إلا في العلماء المخلصين، وهذه الصفات هي التي صنعت الإمام البخاري.
1- الإقبال على العلم. قام البخاري بأداء فريضة الحج وعمره ثماني عشرة سنة، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ.
2- الجِدُّ في تحصيل العلم. وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يُطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبًا من عشرين مرة.
3- قوة الحفظ. وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة، فيحفظه من نظرة واحدة، والأخبار عنه في ذلك كثيرة.
4- أمير المؤمنين في الحديث. دخل مرة إلى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها، فركَّبوا أسانيد، وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وخلطوا الرجال في الأسانيد، وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرءوها على البخاري، فردَّ كل حديث إلى إسناده، وقوَّم تلك الأحاديث والأسانيد كلها، وما تعنتوا عليه فيها، ولم يقدروا أن يجدوا عليه سقطة في إسناد ولا متن، وكذلك صنع في بغداد.

من كرم البخاري وسماحته

كان لا يفارقه كيسه، وكان يتصدق بالكثير، فيأخذ بيده صاحبَ الحاجة من أهل الحديث فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين، وأقل وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد.

من ورع الإمام البخاري

قال محمد بن إسماعيل البخاري: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين".
وكان الحسين بن محمد السمرقندي يقول: "كان محمد بن إسماعيل مخصوصًا بثلاث خصال، مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس، كل شغله كان في العلم".

من كلمات البخاري

- "لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة".
- "ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأت بحمد الله والثناء عليه".

مؤلفات البخاري

وقد صنَّف البخاري ما يزيد على عشرين مصنفًا، منها:

- الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، المعروف بـ(الجامع الصحيح).
- الأدب المفرد. وطُبع في الهند والأستانة والقاهرة طبعات متعددة.
- التاريخ الكبير. وهو كتاب كبير في التراجم، رتب فيه أسماء رواة الحديث على حروف المعجم، وقد طبع في الهند سنة (1362هـ/ 1943م).
- التاريخ الصغير. وهو تاريخ مختصر للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومن جاء بعدهم من الرواة إلى سنة (256هـ/ 870م)، وطبع الكتاب أولَ مرة بالهند سنة (1325هـ/ 1907م).
- خلق أفعال العباد. وطبع بالهند سنة (1306هـ/ 1888م).
- رفع اليدين في الصلاة. وطبع في الهند أولَ مرة سنة (1256هـ/ 1840م)، مع ترجمة له بالأوردية.
- الكُنى. وطبع بالهند سنة (1360هـ/ 1941م).
وله كتب مخطوطة لم تُطبع بعدُ، مثل: التاريخ الأوسط، والتفسير الكبير.

صحيح البخاري

هو أشهر كتب البخاري، بل هو أشهر كتب الحديث النبوي قاطبةً. بذل فيه صاحبه جهدًا خارقًا، وانتقل في تأليفه وجمعه وترتيبه وتبويبه ستة عشر عامًا، هي مدة رحلته الشاقة في طلب الحديث. ويذكر البخاري السبب الذي جعله ينهض إلى هذا العمل، فيقول: "كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع (الجامع الصحيح)".
وعدد أحاديث الكتاب 7275 حديثًا، اختارها من بين ستمائة ألف حديث كانت تحت يديه؛ لأنه كان مدقِّقًا في قبول الرواية، واشترط شروطًا خاصة في رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصرًا لمن يروي عنه، وأن يسمع الحديث منه، أي أنه اشترط الرؤية والسماع معًا، هذا إلى جانب الثقة والعدالة والضبط والإتقان والعلم والورع.
وكان البخاري لا يضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل قبل ذلك وصلى ركعتين. وابتدأ البخاري تأليف كتابه في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولم يتعجل إخراجه للناس بعد أن فرغ منه، ولكن عاود النظر فيه مرة بعد أخرى، وتعهده بالمراجعة والتنقيح؛ ولذلك صنفه ثلاث مرات حتى خرج على الصورة التي عليها الآن.
وقد استحسن شيوخ البخاري وأقرانه من المحدِّثين كتابه، بعد أن عرضه عليهم، وكان منهم جهابذة الحديث، مثل: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ فشهدوا له بصحة ما فيه من الحديث، ثم تلقته الأمة بعدهم بالقبول باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
وقد أقبل العلماء على كتاب الجامع الصحيح بالشرح والتعليق والدراسة، بل امتدت العناية به إلى العلماء من غير المسلمين؛ حيث دُرس وتُرجم، وكُتبت حوله عشرات الكتب.

ثناء العلماء على الإمام البخاري

قال أبو نعيم أحمد بن حماد: "هو فقيه هذه الأمة". وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومنهم من فضَّله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال قتيبة بن سعيد: "رحل إليَّ من شرق الأرض وغربها خلق، فما رحل إليَّ مثل محمد بن إسماعيل البخاري".
وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: "محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلبًا". وقال إسحاق بن راهويه: "هو أبصر مني". وقال أبو حاتم الرازي: "محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق".
وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه؛ قال الإمام أحمد: "ما أخرجت خراسان مثله". وقال علي بن المديني: "لم ير البخاري مثل نفسه". وقال إسحاق بن راهويه: "لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث ومعرفته وفقهه". وقال أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير: "ما رأينا مثله". وقال علي بن حجر: "لا أعلم مثله".

وفاة الإمام البخاري

كانت وفاته ليلة عيد الفطر سنةَ ستٍّ وخمسين ومائتين، وكان ليلة السبت عند صلاة العشاء، وصلى عليه يوم العيد بعد الظهر، وكُفِّن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة وفق ما أوصى به، وحينما دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من ريح المسك، ثم دام ذلك أيامًا، ثم جعلت ترى سواري بيض بحذاء قبره، وكان عمره يوم مات ثنتين وستين سنة. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

من طرائف الشيخ الألبانى



ركب رجل مع الشيخ السيارة وكان الشيخ يقود بسرعة عالية جدا فقال له الرجل :هدئ السرعة الا تعلم ان الشيخ ابن باز افتى بان سرعة القيادة القاء بالنفس الى التهلكة؟ فقال الشيخ: هذه فتوى من لا يجيد القيادة
"
فقال الرجل :هل اخبر الشيخ بهذا قال له :اخبره فلما علم الشيخ ابن باز بهذا قال له"هذا كلام من لم يجرب دفع الديات...!!!"
_____

 رجلٌ صوفي يقول – والعلامة الألباني رحمه الله – موجود : أنتم تسبون الصوفية ، أنا من أهل الله وأعطيكم البرهان ، وإذا كنتم من أهل الحق فافعلوا مثلي ، أنا سأدخل السكين من الجانب الأيمن وأخرجه من الجانب الأيسر ولا ينزل مني قطرة دم واحدة .
فقال الألباني : ما نريد سكين ، نريد دبوس ، أعطنا الدبوس وأنا سأدخله بيدي في وجنتك ، فقال الصوفي : لا ، بل بيدي أنا ، فقال الشيخ الألباني : أنت من أهل الله ! لا تفرق بيد من ! أنت من أهل الله ..
فرفض الصوفي وانهزم وأُخزّي وانصرف .

من أعجب المواقف التي قرأتها في حياة العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله والتي تدل على شجاعة منقطعة النظير في تتبعه لأهل الضلال واحتسابه في إنكار المنكر هذا الموقف :
سمع عن أحدهم يحضر الأرواح فذهب إليه ودخل عليه ، ارتبك الرجل ، فقال له الشيخ : أرجو أن تحضر لي روحاً ، فقال الرجل : من تريد ؟
قال الشيخ : أريد روح البخاري ! فقال الرجل : إيش تبغى في البخاري ؟ قال الشيخ : أنا عندي أشياء أسألها للبخاري ! فقال المشعوذ : اليوم انتهت الأرواح ، تعال يوم الاثنين !
ذهب الشيخ للمشعوذ يوم الاثنين فلم يجد الرجل .. هرب ونقل المحل كله إلى مكان لآخر ! .

من طرائف الشيخ عبد الله المطلق


أحد المتصلين سأل الشيخ
قاله : ياشيخ يجوز اكل لحم البطريق؟؟


قاله الشيخ اذا لقيته كله

=========

موقف اخر للشيخ


اتصل واحد على الشيخ
وقال : ياشيخ انا قد طلقت زوجتي وكنت في وقتها
في حالة غضب والحين كيف اراجعها ,,





قال الشيخ 
ياخي كل اللي يطلقون يطلقون وهم في حالة غضب ,
انت عمرك شفت احد يطلق زوجته وهو جالس ياكل فاكهة


=============

في أحد البرامج أتصل عليه مستفتي من اليمن وقال يا شيخ :
 انا ادخل بالجوال في دورة المياه ومخزن فيه القرآن الكريم 

هل يجوز ذلك ؟


جاوبه الشيخ : لابأس !!


كرر السؤال فقال : لكن فيه القران مخزن ؟؟!!

قال الشيخ : يا أخى لا بأس هو محفوظ في ذاكرة الجهاز... !


رد السائل بقوله : هذا القرآن يا شيخ هل يجوز أن يدخل دورة المياة !!!؟؟

قال الشيخ : أنت حافظ شي من القرآن؟

جاوب السائل : نعم يا شيخ حافظ الكثير .


قال الشيخ :

خلاص اذا بدك تدخل دورة المياه

خلي مخك برا

من طرائف الشيخ عبدالحميد كشك


كان يقول في إحدى خطبه بالمعنى وبالمصري :
كنا نبحث عن إمام عادل آم طلعلنا عادل إمام

وهو الذي قال رحمه الله :
شريفة فاضل إيه ؟ دا لا هيا شريفة و لا ابوها فاضل


وما أحلى خطبه التي يتهكم فيها على أسماء الحكام العرب ..
حسنى مبارك؟؟ حيث لا حسن ولا بركه !! أنور السادات لا نور ولا سياده ؟؟

يروى عن الشيخ - رحمه الله - أنه قال :
دا هما بيؤولوا - يقولوا - دي مصر أم الدنيا والنبي صلى الله عليه وسلم بيؤول - يقول - دا الدنيا ملعون ملعون ما فيها يبأ مصر أم الملاعيين

ويروى أيضا عن الشيخ - رحمه الله - أنه قال :
الظلم تسعة أعشاره عندنا في السجن وعشر يجوووووب العالم كله فإذا أتى الليل بات عندنا

ويروى عن الشيخ أن مسجده مزحوم بقوة ذات جمعة فقال :
إخوّنا المباحث في الصف الأول يتأدموا - يتقدموا - علشان إخونهم المصلين في الخارج

ويروى عن الشيخ أيضا :
اللهم صلي على الصف الثاني والثالث والرابع" فقيل له "والصف الأول يا شيخ" فقال "دا كله مباحث يا اخوّنا

يقول عندما علم الناس بنقل أحد الخطباء لمسجد آخر ذهب الناس لذلك المسجد فأصبح المسجد فارغا ولا يوجد غير الجنود فقامت المخابرات بدفع جنيه لمن يصلي في هذا المسجد فتجمع كثير من النصارى وغير المصلين
خد بالك ده جنيه

ومن طرائف وكلمات الشيخ رحمه الله  :
يقول الشيخ : في السجن جابوا لنا سوس مفول أي أن السوس أكثر من الفول !!!

يقول عن توفيق الحكيم عندما قال آدم عبيط :
توفيق الحكيم حيث لاتوفيق ولا حكمة
ثم يتنهد الشيخ ويقول متأسفا : هؤلاء هم أدباؤنا

يقول عن رئيس إثيوبيا السابق منجستو هيلا : يحتوي اسمه على حروف النجاسة كاملة !!

يقول عن بو رقيبه : لا يجوز لقزم مثلك أن يمد إلى الشمس يدا شلاء ارجع فتعلم في الإبتدائي فليس عيبا أن تتعلم ولكن العيب أن تقول ما لاتعلم


يقول عن بابا النصارى : آه ياني يللي مالناش بابا

من أقواله - رحمه الله - التي تستحق أن تكتب بماء الذهب قوله :

ا لدنيا إذا ما حلت أوحلت
وإذا ما كست أوكست
وإذا أينعت نعت


وكان يقول : لكل ملك علامات فلما علا مات

وقال عن ام كلثوم :

امرأة في السبعين من عمرها تقول:خدني فى حنانك خدني
فاستطرد الشيخ : ياشيخه خدك المولى عز وجل

وقال عن عبد الحليم حافظ :
وهذا العندليب الأسود عندنا ظهرت له معجزتين
الأولى يمسك الهوى بأيديه
و التانية يتنفس تحت الماء

ومره من المرات قبض عليه فضابط جديد يحقق معاه
فقال: ما أسمك
قال : عبد الحميد كشك والمفترض أن الشيخ مشهور عند المباحث
قال: ما عملك
فقال الشيخ : مساعد طيار
 و معلوم أن الشيخ كان ضريرا 

من طرائف الشيخ محمد بن صالح العثيمين


قابله رجل فى المستشفى فقال له ماذا تفعل هنا ياشيخ فقال :احلل السكر فقال الرجل:"ياشيخ كلنا يعلم ان السكر حلال ابحث عن شيء اخر وحلله!!!
__________

 قال الشيخ محمد بن صالح المنجد : جاء مرة طفل إلى الشيخ ابن عثيمين وقال له : يا شيخ أجب لي عن أسئلة هذه المسابقة !
فقال له الشيخ : أجيب عليها ، ولكن إذا فزت تعطيني نصف الجائزة !

-سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن العمل بعد الانتهاء من الدعاء ؟ فقال : ينزل يده !

- سئل ابن عثيمين رحمه الله : إذا كان القارئ يستمع إلى المسجّل فجاءت سجدة التلاوة فهل يسجد للتلاوة ؟ فقال الشيخ : نعم إذا سجد المسجَّل !
___________

-ومن طرائف الشيخ ابن عثيمين مع الشيخ ابن باز رحمهما الله أنه مرة سألهما شخص فقال : لقد اخترع لنا جهاز ينبّه على السهو أثناء الصلاة ، فلا يسهو المصلي إذا استعمله ، فما حكمه ؟
فسكت الشيخ ابن باز وضحك الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله وقال : اسأله أهو يسبح أم يصفق ؟ ..
وكان الشيخ يقصد التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ! 

شيخ الإسلام ابن تيميه


هو أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني .
وذكر مترجموه أقوالاً في سبب تلقيب العائلة بآل (تيمية) منها ما نقله ابن عبد الهادي رحمه الله : (أن جده محمداً كانت أمه تسمى (تيمية)، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها.
وقيل: إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتاً له فقال: يا تيمية، يا تيمية، فلقب بذلك) .


مولده ونشأته:
ولد رحمه الله يوم الاثنين، عاشر، وقيل: ثاني عشر من ربيع الأول سنة 661هـ. في حرّان .
وفي سنة 667هـ أغار التتار على بلده، فاضطرت عائلته إلى ترك حران، متوجهين إلى دمشق ، وبها كان مستقر العائلة، حيث طلب العلم على أيدي علمائها منذ صغره، فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء من حيث التأهل للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره .
ومما ذكره ابن عبد الهادي رحمه الله عنه في صغره أنه: (سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير.
وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي ، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.
هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فُرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه) .
(وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، كأن الله قد خصه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء - غالباً - إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.
فإنه لم يكن مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، ولم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع عمره لأعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته أكبر شهادة) .
وكان رحمه الله حسن الاستنباط، قوي الحجة، سريع البديهة، قال عنه البزار  رحمه الله (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها، ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثاً، وبين معانيه، وما أريد فيه، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه) .
وكان رحمه الله ذا عفاف تام، واقتصاد في الملبس والمأكل، صيناً، تقياً، براً بأمه، ورعاً عفيفاً، عابداً، ذاكراً لله في كل أمر على كل حال، رجاعاً إلى الله في سائر الأحوال والقضايا، وقافاً عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.
قال ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله عنه: (ثم لم يبرح شيخنا رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير) .


عصره:
أولاً: الناحية السياسية:
يستطيع الواصف للحالة السياسية لعصر ابن تيمية رحمه الله أن يحدد معالمها بثلاثة أمور رئيسة:
أ - غزو التتار للعالم الإسلامي.
ب - هجوم الفرنجة على العالم الإسلامي.
جـ - الفتن الداخلية، وخاصة بين المماليك والتتار والمسلمين.
وقد ذكر ابن الأثير رحمه الله وصفاً دقيقاً لذلك العصر، وهو من أهله:
فقال: (لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم: منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.
ومنها: خروج الفرنج - لعنهم الله - من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها - أي دمياط -، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.
ومنها: أن السيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة) .
فأما التتار: فقد كانوا فاجعة الإسلام والمسلمين في القرن السابع الهجري، في سقوط بغداد - وبها سقطت الخلافة العباسية - سنة (656هـ) وما قبل سقوط بغداد بسنوات ، وما بعد سقوط بغداد حيث كانت هذه الأحداث قريبة من ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا بد أن يكون قد شاهد آثار هذا الخراب والدمار بأم عينيه، وسمع تفاصيله المؤلمة عمن رأوا مناظره وشهدوها وشاهدوها، فمن الطبيعي أن يتأثر قلبه الغيور المرهف بنكبة المسلمين هذه وذلتهم، وتمتلئ نفسه غيظاً وكراهية لأولئك الوحوش الضواري) .

وأما ظهور الفرنجة أو (الحروب الصليبية): فقد كانت ولادة ابن تيمية رحمه الله في بداية الدور الرابع لهذه الحروب الذي يمثل دور الضعف الفرنجي وتجدد قوة المسلمين، باسترداد كثير من المدن الشامية الكبرى، وإكمال مسيرة طرد الفرنج من بلاد المسلمين.
وأما الفتن الداخلية: فما كان يحصل بين المماليك وتنازعهم على السلطة وما كان يحصل بينهم وبين التتر المسلمين، وقد كان لابن تيمية رحمه الله مشاركة في إصلاح بعض هذا، وفي مقدمة مواقف ابن تيمية رحمه الله يذكر المؤرخون قصته مع آخر أمراء المماليك وذلك بتذكيره بحقن دماء المسلمين، وحماية ذراريهم وصون حرماتهم .


ثانياً: الناحية الاجتماعية:
كانت مجتمعات المسلمين خليطاً من أجناس مختلفة، وعناصر متباينة بسبب الاضطراب السياسي في بلادهم.
إذ اختلط التتار - القادمون من أقصى الشرق حاملين معهم عاداتهم وأخلاقهم وطباعهم الخاصة - بالمسلمين في ديار الإسلام الذين هم أقرب إلى الإسلام عقيدة وخلقاً من التتر.
ونوعية ثالثة: ألا وهي أسرى حروب الفرنجة والترك إذ كان لهم شأن في فرض بعض النظم الاجتماعية، وتثبيت بعض العوائد السيئة، والتأثير اللغوي العام على المجتمع المسلم.
إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة من التتار وغيرهم، فأهل العراق يفرون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر والمغرب وهكذا.
كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعاً مخالفة للشريعة كان لابن تيمية رحمه الله أكبر الأثر في بيان الخطأ والنصح للأمة، ومقاومة المبتدعة
.

ثالثاً: الناحية العلمية:
في عصر ابن تيمية رحمه الله قل الإنتاج العلمي، وركدت الأذهان، وأقفل باب الاجتهاد وسيطرت نزعة التقليد والجمود، وأصبح قصارى جهد كثير من العلماء هو جمع وفهم الأقوال من غير بحث ولا مناقشة، فألفت الكتب المطولة والمختصرة، ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، وهكذا عصور الضعف تمتاز بكثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج.
ويحيل بعض الباحثين ذلك الضعف إلى: سيادة الأتراك والمماليك مما سبب استعجام الأنفس والعقول والألسن، إضافة إلى اجتماع المصائب على المسلمين، فلم يكن لديهم من الاستقرار ما يمكنهم من الاشتغال بالبحث والتفكير .
ولا ينكر وجود أفراد من العلماء النابهين أهل النبوغ، ولكن أولئك قلة لا تنخرم بهم القاعدة. وثمة أمر آخر في عصر ابن تيمية أثر في علمه ألا وهو: اكتمال المكتبة الإسلامية بكثير من الموسوعات الكبرى في العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.
فالسنة مبسوطة، والمذاهب مدونة، ولم يعد من السهل تحديد الكتب التي قرأها وتأثر بها، ولا معرفة تأثير شيوخه عليه بدقة.


محن الشيخ:
امتحن الشيخ مرات عدة بسبب نكاية الأقران وحسدهم، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عالية عند الولاة وعند الرعية وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة 705هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة ، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ الإسلام رحمه الله أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد .
واستمر في السجن إلى شهر صفر سنة 707هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على رغبتهم الذهاب معهم إلى دمشق.

وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام رحمه الله فكان أن خُير شيخ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه أصروا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولاً عند رغبتهم وإلحاحهم.
وما إن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهاً إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس.
وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، واكب الناس عليه ينهلون من علمه.
وفي سنة 709هـ نفي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يدم الأمر طويلاً لهم، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر قلاوون بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية رحمه الله وعاد الشيخ إلى دورسه العامرة في القاهرة.
وامتحن شيخ الإسلام بسبب فتواه في مسألة الطلاق ، وطُلب منه أن يمتنع عن الإفتاء بها فلم يمتنع حتى سجن في القلعة من دمشق بأمر من نائب السلطنة سنة 720هـ إلى سنة 721هـ لمدة خمسة أشهر وبضعة أيام.
وبحث حساده عن شيء للوشاية به عند الولاة فزوروا كلاماً له حول زيارة القبور، وقالوا بأنه يمنع من زيارة القبور حتى قبر نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكتب نائب السلطنة في دمشق إلى السلطان في مصر بذلك، ونظروا في الفتوى دون سؤال صاحبها عن صحتها ورأيه فيها، فصدر الحكم بحقه في شعبان من سنة 726هـ بأن ينقل إلى قلعة دمشق ويعتقل فيها هو وبعض أتباعه واشتدت محنته سنة 728هـ حين أُخرج ما كان عند الشيخ من الكتب والأوراق والأقلام، ومنع من ملاقاة الناس، ومن الكتابة والتأليف .


وفاته رحمه الله:
في ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة (728هـ) توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها، وأُذن للناس بالدخول فيها، ثم غُسل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وصُلي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، ثم صُلي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة، واشتد الزحام، فقد أغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو من أعجزه الزحام، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام .

  مؤلفاته:
مؤلفات الشيخ كثيرة يصعب إحصاؤها، وعلى كثرتها فهي لم توجد في بلد معين في زمانه إنما كانت مبثوثة بين الأقطار كما قال الحافظ البزار (ت - 749هـ) رحمه الله: (وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها. بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد؛ لأنها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، أو هي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت - 795هـ) رحمه الله:
(وأما تصانيفه رحمه الله فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت سير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها، ولا ذكرها) .
وذكر ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله أن أجوبة الشيخ يشق ضبطها وإحصاؤها، ويعسر حصرها واستقصاؤها، لكثرة مكتوبه، وسرعة كتابته، إضافة إلى أنه يكتب من حفظه من غير نقل فلا يحتاج إلى مكان معين للكتابة، ويسئل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.
ولما حبس شيخ الإسلام خاف أصحابه من إظهار كتبه، وتفرقوا في البلدان، ومنهم من تسرق كتبه فلا يستطيع أن يطلبها أو يقدر على تخليصها .


ومن أبرز كتبه ما يلي:
1 - الاستقامة: تحقيق د. محمد رشاد سالم. طبع في جزئين.
2 - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تحقيق د. ناصر العقل طبع في جزئين.
3 - بيان تلبيس الجهمية: حقق في ثمان رسائل دكتوراه، بإشراف شيخنا فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.
4 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع بتحقيق د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز العسكر، ود. حمدان الحمدان، وكان في الأصل ثلاث رسائل دكتوراه .
5 - درء تعارض العقل والنقل: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم في عشرة أجزاء، والجزء الحادي عشر خُصص للفهارس .
6 - الصفدية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبع في جزئين.
7 - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس .
8 - النبوات: مطبوع .
وله من الكتب والرسائل الكثير جداً مما طبع بعضه مستقلاً، وبعضه في مجاميع كبيرة وصغيرة، والكثير منه لا يزال مخطوطاً سواء كان موجوداً أو في عداد المفقود .

  بعض ثناء الناس عليه:
قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني (ت - 727هـ) : (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم  والتبيين ) .

وقال أيضاً فيه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها) .

وكتب فيه قوله:
ماذا يقول الواصفون له *** وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة *** هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة *** أنوارها أربت على الفجر

وقال ابن دقيق العيد رحمه الله : (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) .

وقال أبو البقاء السبكي : (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) ، وحين عاتب الإمام الذهبي (ت - 748هـ) الإمام السبكي  كتب معتذراً مبيناً رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
(أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخاره بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان) .

وأما ثناء الإمام الذهبي على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فهو كثير، وذِكر ثناء الإمام الذهبي على ابن تيمية هو الغالب على من ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى مواضع ترجمة ابن تيمية في كتب الإمام الذهبي، ولعلي أذكر بعض مقولات الإمام الذهبي في ابن تيمية، ومنها قوله:
(ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط) .

وقوله: (... ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة، والذكر والصيانة، ثم أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل ويرجح ويجتهد، وحق له ذلك فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحداً أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف...) .
وقال: (... هذا كله مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية) .

ومما قاله في رثائه:
يا موت خذ من أردت أو فدع *** محوت رسم العلوم والورع
أخذت شيخ الإسلام وانقصمت *** عرى التقى واشتفى أولو البدع
غيبت بحراً مفسراً جبلاً *** حبراً تقياً مجانب الشيع
اسكنه الله في الجنان ولا *** زال علياً في أجمل الخلع
مضى ابن تيمية وموعده *** مع خصمه يوم نفخة الفزع
وقال فيه: (... كان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه...) .

وقال عنه: (... لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو ينفرد بمسائل بالتشهي.... فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالاً ولا جاهاً بوجه أصلاً، مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا في عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوباً له مغفورة في سعة كرم الله تعالى....) .

وقال الشوكاني رحمه الله  (إمام الأئمة المجتهد المطلق) .